حكم إقامة مأتم الأربعين وأحوال الموتى


حكم المأتم


من أحكام الوفاة والموتى :

حكم اقامة مأتم الأربعين :

سؤال للمفتي / حسنين محمد مخلوف 1947م-1366 هـ

ما حكم إقامة مأتم الأربعين ؟

نشرت الأهرام الكلمة الآتية تحت هذا العنوان فى عدد يوم الأحد التاسع من شهر رمضان سنة 1366 (27 من يوليو سنة 1947) :
لقد ابتلانى الله بفقد الولد - توفى إلى رحمة الله فى يوم الأربعاء 29 من رجب سنة 1366 الموافق 18 من يونية سنة 1947 ولدى عبد الحميد الطالب بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول - فصبرت، واقتطع من فلذة الكبد فما تبرمت، فله الحمد على نعمة الرضا بالقضاء ،
ومنه وحده المثوبة وعظيم الجزاء ، وقد تساءل أصدقائى عن ليلة الأربعين فأخبرتهم أن إحياءها على النحو المتبع بدعة مذمومة لا أصل لها فى الدين ،وإنى مكتف فيها وفى غيرها من الأيام بما بينى وبين ربى من عمل يرجى ثوابه بمشيئته لمن افتقدته،
ولهم منى مع عظيم الشكر أطيب التمنيات .
وقد أحالت الأهرام هذا الكتاب إلى صاحب الفضيلة المفتى فرد بالكلمة التالية (ونشرت الأهرام الخلاصة المشار إليها).

الجواب : رد المُفْتى .

أما الفتوى فنصها ما يأتى :

1-إقامة مأتم الأربعين بدعة مذمومة :

يحرص كثير من الناس الآن على إقامة مأتم ليلة الأربعين لا يختلف عن مأتم يوم الوفاة، فيبلغون عنه فى الصحف ويقيمون له السرادقات، ويحضرون القراء وينحرون الذبائح .
ويفد المعزون فيشكر منهم من حضر ويلام من تخلف ولم يعتذر .
وتقيم السيدات بجانب ذلك مأتما آخر فى ضحوة النهار للنحيب والبكاء وتجديد الأسى والعزاء .
ولا سند لشىء من ذلك فى الشريعة الغراء، فلم يكن من هدى النبوة ولا من عمل الصحابة ولا من المأثور عن التابعين .
بل لم يكن معروفا عندنا إلى عهد غير بعيد .
وإنما هو أمر استحدث أخيرا ابتداعا لا اتباعا وفيه من المضار ما يوجب النهى عنه .
فيه التزام عمل ممن يقتدى بهم وغيرهم، ظاهره أنه قربة وبر، حتى استقر فى أذهان العامة أنه من المشروع فى الدين وفيه إضاعة الأموال فى غير وجهها المشروع، فى حين أن الميت كثيرا ما يكون عليه ديون أو حقوق الله تعالى أو للعباد لا تتسع موارده للوفاء بها مع تكاليف هذا المأتم، وقد يكون الورثة فى أشد الحاجة إلى هذه الأموال، ومع هذا يقيمون مأتم الأربعين استحياء من الناس ودفعا للنقد، وكثيرا ما يكون فى الورثة قصر يلحقهم الضرر بتبديد أموالهم فى هذه البدعة .

وفيه مع ذلك تكرير العزاء وهو غير مشروع لحديث (التعزية مرة) لهذا وغيره من المفاسد الدينية والدنيوية أهبنا بالمسلمين أن يقلعوا عن هذه العادة الذميمة التى لا ينال الميت منها رحمة أو مثوبة .

بل لا ينال الحى منها سوى المضرة إذا كان القصد مجرد التفاخر والسمعة أو دفع الملامة والمعرة .

وأن يعلموا أنه لا أصل لها فى الدين قال تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر 7 .

2- ما يعمل لأجل الموتى :

أما الذى يعمل فى هذا الموطن لا فى خصوص الأربعين فهو ما فيه نفع للميت وثواب يرجى أن يصل إليه من غير أن يقترن به ضرر للحي أو ما لايسوغ شرعاً من الأعمال .

3- بحث فى أحوال الروح الإنسانى فى البرزخ:

وقبل أن نبينه ، نمهد له بأنه ينبغى أن يعلم أن عالم الأرواح يختلف عن عالم المادة اختلافا كثيرا فى أحواله وأطواره، فالروح يسلكها الله تعالى فى البدن فى الحياة الدنيا فتوجب له حِسّا وحركة وعلما وإدراكا ولذة وألماً ويسمى بذلك حَيّا .

ثم تفارقه فى الوقت المقدر أزلا لقطع علائقها به فتبطل هذه الآثار، ويفنى هيكل البدن ويصير جمادا، ويسمى عند ذلك ميتا ولكن الروح تبقى فى البرزخ { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } المؤمنون 100 ، وهو ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة من يوم الموت إلى يوم البعث والنشور حية مدركة تسمع وتبصر وتسبح فى ملك الله حيث أراد وقدر .

وتتصل بالأرواح الأخرى وتناجيها وتأنس بها سواء أكانت أرواح أحياء أو أرواح أموات .
وتشعر بالنعيم والعذاب واللذة والألم بحسب حالتها، وما كان لها من عمل فى الحياة الدنيا .
وترد أفنية القبور وتأوى إلى المنازل وهى فى كل ذلك لطيفة لا يحدها مكان ولا يحصرها حيز ولا ترى بالعيون والآلات كما ترى الماديات .
وقد يأذن الله لها وهى فى عالم البرزخ أن تتصل بالبدن كله أو بأجزائه الأصلية اتصالا برزخيا خاصا لا كالاتصال الدنيوى، يشبه اتصال أشعة الشمس وأضواء القمر بالعوالم الأرضية وهو اتصال إشراق وإمداد فيشعر البدن كذلك بالنعيم والعذاب ويسمع ويجيب بواسطة الروح .
وقد لا يأذن الله لها بالاتصال بالبدن فتشعر الروح بذلك كله شعورا قويا، ويستمر ذلك الشأن لها إلى ما شاء الله حتى يوم البعث والنشور .
هذا هو مذهب جمهور أهل السنة وبه وردت الأحاديث والآثار .

4- الحياة فى القبر والسؤال فيه:

قد ورد فيها حديث سؤال القبر ونعيمه وعذابه، وأن المعذب والمنعم فيه الروح والبدن معا، وحديث سماع الموتى وإجابتهم وحديث السلام على من سلم عليهم .

واستقر رأى سلف الأمة على ذلك - ولا عبرة بمن ينكره، فإن شأن الأرواح يدق ويسمو عن مدارك المحجوبين بحجب المادة .

قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية (ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وقد تتصل به فيحصل له معها النعيم أو العذاب) ،
وقال فى موضع آخر (واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وأحوال أهله وأصحابه فى الدنيا وأن ذلك يعرض عليه .
وجاء فى الآثار أنه يرى أيضا وأنه يدرى بما يفعل عنده فيسر بما كان حسنا ويألم بما كان قبيحا وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس .
وقد أوضح ذلك تلميذه شيخ الإسلام ابن القيم فى كتاب الروح واستوعب هذا البحث وأفاض فى بيانه والاستدلال عليه الأستاذ الوالد رحمه الله فى كتاب المطالب القدسية فى أحكام الروح وآثارها الكونية .

5- مذهب الحنابلة وصول ثواب جميع الطاعات للميت:

 إذا علم هذا، فالصحيح كما قال ابن تيمية: «إن الميت ينتفع بجميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة -أي تطوعًا بلا أجر- كما ينتفع بالعبادات المالية من الصدقة ونحوها باتفاق الأئمة -راجع إلى العبادات المالية- وكما لو دعي له واستغفر له». اهـ.

وقال ابن القيم في كتاب الروح: " أفضل ما يهدى إلى الميت الصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه، وأما قراءة القرآن وإهداؤها إليه تطوعا بغير أجر فهذا يصل إليه كما يصل إليه ثواب الصوم والحج ".
وقال في موضوع آخر: "والأولى أن ينوي عند الفعل أنها للميت، ولا يشترط التلفظ بذلك». اهـ .
وقد ذكر الإمام ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني، أن أية قربة فعلها الإنسان وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك بمشيئته تعالى، وأنه لا خلاف بين العلماء في الدعاء والاستغفار له والصدقة وأداء الواجبات التي تتأتى فيها النيابة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

6-الدعاء للميت والتصدق عنه:

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لكل ميت صلى عليه ،«وسأله رجل فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

7- الحج عن العاجز وعن الميت:

وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قال: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى"

8- الصوم عن الميت: 
وسأله رجل عن أُمِّهِ التي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قال: نَعَمْ».

9- قراءة يس على الموتى وعلى المقابر:

وهذه أحاديث صحاح تدل على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الدعاء للميت والاستغفار والحج والصوم عبادات بدنية.
وقد أوصل الله ثوابها إلى الميت فكذلك ما سواها مع ما تقدم من حديث ثواب القراءة، فقد ورد حديث في ثواب من قرأ يس وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءتها.

10-مذهب الشافعية في العبادات البدنية المحضة:
وقال الشافعي: «إن الذي يصل ثوابه إلى الميت الدعاء والاستغفار والصدقة والواجب الذي يقبل النيابة كالحج وما عدا ذلك لا يفعل عنه، ولا يصل ثوابه إليه». اهـ ملخصًا.
ونقل العلامة ابن عابدين في شفاء العليل وفي حاشيته على الدر أن مالكًا والشافعي ذهبا إلى أن العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن لا تصل إلى الميت بخلاف غيرها كالصدقة والحج.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي: «إن مشهور المذهب -أي في تلاوة القرآن- محمول على ما إذا قرئ لا بحضرة الميت، ولم ينو الثواب له أو نواه، ولم يدع». اهـ.
وفي شرح المنهاج من كتب الشافعية لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به؛ لأنه دعاء فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فيجوز بالأولى بما هو له، ويبقى الأمر موقوفًا على استجابة الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة بل يجزئ في سائر الأعمال. اهـ.
وفي المجموع للنووي سئل القاضي أبو الطيب عن ختم القرآن في المقابر، فقال: الثواب للقارئ، ويكون الميت كالحاضرين ترجى له الرحمة والبركة ويستحب قراءة القرآن في المقابر لهذا المعنى، وأيضا فالدعاء عقب القراءة أقرب إلى الإجابة والدعاء ينفع الميت.

11- مذهب المالكية في العبادات البدنية: وفي الشرح الكبير، وحاشيته للعلامة الدسوقي المالكي في باب الحج، أن الصدقة والدعاء والهدي مما تقبل فيه النيابة عن الغير يصل ثوابه إلى الميت بلا خلاف، ويكون وقوعه من النائب بمنزلة وقوعه من المنوب عنه في حصول الثواب بخلاف الصلاة والصوم فإنه لا تقبل فيها النيابة، وأما الحج عن الغير فيجوز مع الكراهة.

12-قراءة القرآن للموتى عند المالكية:

 واختلف في قراءة القرآن للميت فأصل المذهب كراهتها، وذهب المتأخرون إلى جوازها وهو الذي جرى عليه العمل، فيصل ثوابها إلى الميت، ونقل ابن فرحون أنه الراجح كما ذكره ابن أبي زيد في الرسالة،
وقال الإمام ابن رشد: «محل الخلاف ما لم تخرج القراءة مخرج الدعاء بأن يقول قبل قراءته: اللهم اجعل ثواب ما أقرؤه لفلان، فإذا خرجت مخرج الدعاء كان الثواب لفلان قولًا واحدًا، وجاز من غير خلاف». اهـ.

وعلى هذا ينبغي أن يقول القارئ قبل قراءته ذلك ليصل ثواب القراءة إلى الميت باتفاق أهل المذهب.

13-مذهب الحنفية وصول ثواب الطاعات للميت: وذهب الحنفية إلى أن كل من أتى بعبادة سواء كانت صلاةً أو صومًا أو صدقةً أو قراءة قرآن أو ذكرًا أو طوافًا أو حجًّا أو عمرةً أو غير ذلك من أنواع البر له جعل ثوابها لغيره من الأحياء أو الأموات ويصل ثوابها إليه كما في الهداية والفتح والبحر وغيرها، وقد أطال بيان ذلك صاحب الفتح، وفيه روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ -الإخلاص: 1]، إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهْبَ أَجْرَهُ لِلأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ الأَمْوَاتِ».
وعن النبي -عليه السلام -أنه قال: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس». رواه أبو داود، وعن الدارقطني «أنَّ رَجُلًا ‏سَأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: كَانَ لي أَبَوَان أَبِرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا، فَكَيْفَ لي بَبرّهِمَا بَعد مَوْتِهِمَا؟ فَقَالَ النبي صلى الله ‏عليه وسلم إنَّ مِنَ البِرّ بَعْدَ الموتِ أنْ تُصَلِّي لهمَا مَع صَلَاتِك وتَصُومُ لهمَا مَعَ صِيَامِكَ»... وعن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، فقال السائل: يا رسول الله، إِنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا ‏وَنَحُجُّ عَنْهُم ونَدْعُو لهم، وَوُصُول ذَلِك إِليهم، وَإِنّهم لَيَفْرَحُون بِه كَمَا يَفْرَحُ أَحَدَكُم بِالطَّبقِ إذا أُهْدِيَ إِلَيهِ». اهـ.
وأما قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] فهو مقيد بما إذا لم يهد ثواب عمله للغير كما حققه في الفتح.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: «إن عموم الآية مخصوص بالصدقة والصلاة والحج والصيام وقراءة القرآن والدعاء من غير الولد» اهـ.

14-رأي الإمام القرافي من أئمة المالكية: وفي فروق العلامة القرافي المالكي في الفرق الثاني والسبعين بعد المائة أن أنواع القربات ثلاثة: قسم حجر الله تعالى على عباده في ثوابه، ولم يجعل لهم نقله إلى غيرهم كالإيمان والتوحيد،
وقسم اتفق الناس على أنه تعالى أذن في نقله للميت وهو القربات المالية كالصدقة والعتق،
وقسم اختلف فيه هل فيه حجر أم لا؟ وهو الصيام والحج وقراءة القرآن فلا يحصل شيء من ذلك للميت عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل يصل ثواب القراءة للميت، فمالك والشافعي يحتجان بالقياس على الصلاة ، ونحوها مما هو فعل بدني،
 والأصل في الأفعال البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن أحد، ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، ولحديث «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وصَدَقَةٍ جَارِيَةِ، ووَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».

واحتج أبو حنيفة وأحمد بالقياس على الدعاء، فإن الإجماع على وصول ثوابه للميت، فكذلك القراءة والكل عمل بدني، وبظاهر قوله -عليه السلام- للسائل: «صَلِّ لهمَا مَع صَلَاتِك وَصُمْ لهمَا مَعَ صَوْمِكَ» -أي لوالديك- وبعد أن ناقش الدليلين قال: إن الذي يتجه، ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل للموتى بركة القراءة لا ثوابها، كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده.

15- احتياط معقول: ثم قال وهذه المسألة وإن كان مختلفًا فيها فينبغي للإنسان ألا يهملها، فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى فإن هذه أمور خفية عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر واقع، هل هو كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي اعتاد الناس عمله، ومن الله الجود والإحسان. هذا هو اللائق بالعبد.هـ.

16-الخلاصة:

 والخلاصة في ذلك أن مذهب الحنفية والحنابلة وصول ثواب جميع العبادات والقربات إلى الميت وانتفاعه بها إذا جعل له ثوابها،
ومذهب الشافعية في المشهور والمالكية في الأصل وصول ثواب القربات ما عدا العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم وتلاوة القرآن والذكر، وقد علمت رأي المتأخرين من الشافعية والمالكية، وأن المختار عندهم وصول الثواب إلى الميت.

17- حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن: غير أنه مما يلزم التنبيه له أن وصول ثواب تلاوة القرآن إلى الميت مقيد بما إذا كانت القراءة تطوعًا بدون أجر، كما ذكره ابن القيم وأئمة الحنفية سواء أكانت القراءة من ولد الميت أم من غيره.
وأما الاستئجار على تلاوة القرآن فغير جائز عند الحنفية وأجازه المالكية، وذكر ابن فرحون أن جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن مبني على وصول ثواب القراءة لمن قرئ لأجله كالميت، وهو الراجح عندهم كما سلف.

18- فتوى للأستاذ الوالد في قراءة القرآن للميت ووصول ثوابها إليه:
وبعد تحرير هذا وقفت على فتوى للأستاذ الوالد -رحمه الله- وهو مالكي المذهب حررها في سنة 1349؛ جوابًا عن أسئلة وردت إليه جاء فيها ما نصه: «وأما قراءة القرآن للميت سواء أكانت على القبر أم بعيدًا عنه، فقد اختلف العلماء في وصول الثواب إليه، والجمهور على الوصول وهو الحق خصوصًا إذا وهب القارئ بعد القراءة ثواب ما قرأه للميت، وللقارئ أيضًا ثواب لا ينقص من أجر الميت شيئًا، والتفضيل بين القراءة والصدقة بالنقود يختلف باختلاف مقدار الصدقة ونفعها للفقير وحال المتصدق، واختلاف القراءة، وما يدفع للقراء من الأجر -بناء على رأي للمالكية في جواز أخذ الأجرة على القراءة- ومسألة الأجر والثواب قلة وكثرة موكولة إلى الله تعالى وفي يده يبسطها لأيهما كيف يشاء، وقد ورد في كل ما يحث على فعله، وقد علمت أنه لا فرق في ذلك بين القرب والبعد؛ لأن الله تعالى هو المطلع على القارئ وإحسانه العمل وإخلاصه فيه، وعلى المتصدق وإخلاصه في صدقته، وهو المقدر لهذا وذاك. والقرب والبعد بين القارئ والمتصدق وبين الميت لا دخل له في وصول الثواب وعدم وصوله وهناك هدايا كثيرة غير النقود يتصدق بها على الميت كالدعاء وجميع الارتفاقات المعاشية التي ينتفع بها الفقراء من طعام وشراب ولباس ووقف أرض أو دار أو إسكان مستحق لذلك إذا قصد إهداء ثوابه لروح الأموات كالنقود سواء. والله أعلم». اهـ.
هذا ما اتسع له الوقت في الإجابة عن هذا السؤال.
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

في زيارة القبور: 

وزيارة القبور مستحبة للعظة والاعتبار وتذكر الموت وأهوال الآخرة وانتفاع الموتى بالدعاء لهم ففي الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ آمِنَة، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ». رواه الترمذي وصححه، وأخرجه مسلم وأبو داود والحاكم.
وفي حديث آخر أخرجه الحاكم «فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ».
وكان -عليه السلام- يزور قبور شهداء أحد كل حول مرة ويسلم عليهم ويزور قبور أهل بقيع الغرقد بالمدينة مرارًا، ويسلم عليهم ويدعو لهم ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ». رواه مسلم وأحمد وابن ماجه.
وكانت فاطمة تزور قبر عمها حمزة رضي الله عنه، وكان ابن عمر لا يمر بقبر إلا وقف عليه وسلم عليه.
وفي زاد المعاد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، ويأمر من معه من أصحابه أن يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ... إلخ» وكان يتعاهد الميت بالزيارة إلى قبره والسلام عليه والدعاء له كما يتعاهد الحي صاحبه في الدار الدنيا. اهـ.
وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة، ولو في العمر مرة لورود الأمر بها، والزيارة مأذون فيها للرجال باتفاق، أما النساء فقيل بكراهتها وذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمنت الفتنة، وقال بعض الفقهاء إن كانت زيارتهن للاعتبار والترحم من غير بكاء وكن عجائز جاز، وإن كانت لتجديد الحزن والبكاء والندب كرهت تحريمًا.
ومن آداب الزيارة أن يزورها الإنسان قائمًا مستدبر القبلة مستقبلًا بوجهه الميت، وأن يسلم على أهل القبور ولا يمسح القبر ولا يمسه، فضلًا عن أن يستقبله ويدعو عنده قائمًا بما علم رسول الله أصحابه الدعاء به عند الزيارة، وأن ينصرف عقب ذلك.
وقد كان ابن عمر يجيء إلى قبر الرسول فيقول: «السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي» وينصرف، وكذلك أنس بن مالك.
ولا بأس أن يقرأ سورة يس؛ لحديث «مَنْ دَخَلَ المقَابِر فَقَرأَ ‏سُورة يس خَفَّفَ اللهُ عَنْهُم يَومئذٍ، وَكَان له بِعَدَد مَن فِيها حَسَنَات»... بحر.
وأن يقرأ من القرآن ما تيسر له من الفاتحة وأول البقرة وآية الكرسي، وآخر البقرة من قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: 285] وسورة يس وتبارك الملك والتكاثر والإخلاص، ثم يقول: «اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان أو إليهم». ابن عابدين.
وفي المغني: ولا بأس بالقراءة عند القبر.
وقد روي عن أحمد أنه قال: «إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي وثلاث مرات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، ثم قولوا: اللهم إن فضله لأهل المقابر». اهـ.
وفي رواية الإحياء: «إذا دخلتم المقابر فاقرءوا الفاتحة والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم». اهـ.
وما روي عن أحمد من قوله إن القراءة عند القبر بدعة قد رجع عنه كما ذكره ابن قدامة الحنبلي، وأفضل أيام الزيارة يوم الجمعة، وقيل هو ويوم قبله ويوم بعده، وقد ذكر في زاد المعاد أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ويسلم عليهم.
وروى محمد بن واسع أن الموتى يعلمون زوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، ولا يخفى أن وصول ثواب القراءة إلى الميت لا يتوقف على أن تكون حال الزيارة، بل يصل الثواب إليه مطلقًا، وقد قال ابن القيم في كتاب الروح: «وأما قراءة القرآن وإهداؤها إلى الميت تطوعًا بغير أجر فهذا يصل إليه كما يصل إليه ثواب الصوم والحج».
فكما أن ثواب الصوم والحج عنه يصل إليه وهما لا يكونان حال الزيارة كذلك يصل إليه ثواب القراءة مطلقًا سواء كانت عند القبر أو بعيدة عنه، ويؤيد هذا ما سبق نقله عن كثير من الفقهاء وقول ابن القيم في زاد المعاد: إن قراءة القرآن للميت عند القبر أو غيره بدعة مكروهة ينافي ما ذكره نفسه في كتاب الروح، وما ذكره غيره من الفقهاء خلا أبي حنيفة الذي روي عنه القول بكراهة القراءة عند القبر، والذي ينبغي التعويل عليه ما ذكره في كتاب الروح وأي فرق بين قراءة القرآن له والصلاة والصوم والحج والدعاء والاستغفار له، وكلها طاعات يرجى من الله أن يجعل ثوابها للميت إذا جعلها الفاعل له، ولا حرج على الله في فعله وفضله.
وجملة القول في الزيارة أنه يجب اتباع هدي النبوة في آدابها وتجريدها من المآثم حتى تقع في موقعها الشرعي.
اللهم اجعلنا من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه وفقهنا في الدين ولا تحرمنا أجر العاملين واهدنا الصراط المستقيم.
وصل وسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.



تعليقات