العشر النبلاء من روضة العقلاء

روضة العقلاء

 




كتاب تهذيب العَشْر النبلاء من روضة العقلاء :

كتاب "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " تأليف الامام أبو حاتم البستي (ابن حبان ) وهو كتاب يصفه صاحبه بأنه تذكرة للعقلاء والمؤنس لهم والمعين،
قمت بتهذيبه واختصاره في عشرة فصول ، أو عشرة خصال ،
وانتقيت الفصول التي تبين معاني العقل وصفة العقلاء أو الجهلاء وكيف يبلغ المرء بعقله الى مرتبة الألباء و العقلاء وما يقرب لتحقيق غاية ما كتب من أجله. وهي كالتالي :

1- صفة العاقل اللبيب .
2- صفة الأحمق والجاهل .

3- العلم والعلماء.
4- صفة الصمت .
5- صفة التواضع .
6-التحبب الى الناس وكراهية معاداة الناس .
7- الاعتزال .
8- زجر التحاسد .
9- السياسة والرياسة .

10- صفة الكريم واللئيم .

ترجمة ابْنُ حِبَّانَ:

 مُحَمَّدُ بنُ حِبَّانَ بنِ أَحْمَدَ التَّمِيْمِيُّ :
هو أَبُو حَاتِمٍ التَّمِيْمِيُّ الدَّارِمِيُّ البُسْتِيُّ، الإِمَامُ العَلاَّمَةُ الحَافِظُ المُجَوِّدُ، شَيْخُ خُرَاسَانَ،
 صَاحبُ الكُتُبِ المَشْهُوْرَةِ: (صحيح ابن حبان ) وكتاب (تاريخ الثقات ) وكتاب (الضعفاء) ،

سَمِعَ الحديث بِمِصْرَ مِنْ : أَبِي عبدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ،
وحَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحَاكِمُ .
وَقَالَ الحَاكِمُ: كَانَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَوعيةِ العِلْمِ فِي الفِقْهِ، وَاللُّغةِ، وَالحَدِيْثِ، وَالوعظِ، وَمِنْ عقلاَءِ الرِّجَالِ
.

توفي ابن حبان بسجستان بمدينة بست في شوال سنة  354 هجرية.


(1- العاقل ومعنى العقل ):

مقدمة ابو حاتم البستي (ابن حبان) في روضة العقلاء :

أما بعد فإن الزمان قد تبين للعاقل تَغَيُّره ، ولَاحَ للبيب تَبدُّله حيث يَبِس ضَرْعه بعد الغزارة ،وذبل فرعه بعد النضارة ،ونحِل عُوده بعد الرطوبة ،
وبشع مَذاقه بعد العذوبة، فنبع فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد مَا يوجب العقل من شهوات صدورهم ، وترك مَا يوجبه نفس العقل بهجسات
قلوبهم جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عَلَيْهِ عند المعضلات :
" النفاق والمداهنة وفروعه عند ورود النائبات، وحسن اللباس والفصاحة "،
وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل الذي يجب الاقتداء به ومن تخلف عَن إحكامها فهو الأنْوَك الذي يجب الإزورار عنه.

فلما رأيت الرعاع من العالَم يغترون بأفعالهم ، والهمج من الناس يقتدون بأمثالهم ، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل متضمنه على معنى لطيف مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم ليكون كالتذكرة لذوي الحِجَى عند حضرتهم وكالمعين لأولى النُهَى عند غيبتهم يفوق العالم به أقارنه والحافظ له أترابه يكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات والمؤنس الحافظ له في الفلوات إن خص به من يجب من إخوانه لم يفتقده من ديوانه،
 وإن استبد به دون أوليائه فاق به على نظرائه ،

أُبين فيه مَا يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة مع القصد في لزوم الاقتصار وترك الإمعان في الإكثار ليخفّ على حامله وتعيه أذن مستمعه ، لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار إذا استقصى المجتهد في إطالتها فليس يرجو النهاية إلى غايتها ومن لم يرج التمكن من الكمال في الإكثار كان حقيقا أن يقنع بالاختصار .

تعريف العقل :

العقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ،  فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا ،
كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قِيلَ له شيطان فإذا عتا في الطغيان قِيلَ مارد فإذا زاد على ذلك قِيلَ عبقري فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قِيلَ عفريت
، وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته المائق ثم الرقيع ثم الأنوك ثم الأحمق 0

العقل نوعان:

 مطبوع ومسموع ، فالمطبوع منهما كالأرض، والمسموع كالبذر والماء، ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل محصول دون أن يرد عَلَيْهِ العقل المسموع فينبهه من رقدته ويطلقه من مكامنه يستخرج البذر والماء مَا في قعور الأرض من كثرة الربع.

فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض والعقل المسموع من ظاهره كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها

فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت لأن قوت الأجساد المطاعم وقوت العقل الحكم فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت 0

والتقلب في الأمصار والاعتبار بخلق اللَّه مما يزيد المرء عقلا وإن عدم المال في تقلبه 0

والعقل والهوى متعاديان فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوفا فإذ اشتبه عَلَيْهِ أمران اجتنب أقربهما من هواه لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلح الضمائر .
عن الحسن يقول : مَا تم دين عَبْد قط حتى يتم عقله.
قال أَبُو حاتم : أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة وأقلهم عنها فترة.

ولا يجب للعاقل أن يغتم لأن الغم لا ينفع وكثرته تزري بالعقل ولا أن يحزن لأن الحزن لا يرد المرزئة ودوامه ينقص العقل

والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه فإذا وقع فيه رَضِيَ وصبر والعاقل لا يخيف أحدا أبدا مَا استطاع ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبا وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد مع لزوم العفاف إذ هو قطب شعب العقل.
و مَنْ حسن عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه، ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب محاسن وجهه نقائص نفسه ،
ولا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدما لأن العاقل قد يرجى له الغنى ولا يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله،
 ومال العاقل عقله وما قدم من صالح عمله
،

وآفة العقل الصلف والبلاء المردي والرخاء المفرط ، لأن البلايا إذا تواترت عَلَيْهِ أهلكت عقله، والرخاء إذا تواتر عَلَيْهِ أبطره،
 والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل .
عن معاوية ابن قرة يقول: إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم.
فكما لا ينفع الاجتهاد بغير توفيق ولا الجمال بغير حلاوة ولا السرور بغير أمن كذلك لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عمل وكما أن السرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة كذلك المروءات كلها تبع للعقل

وعقول كل قوم على قدر زمانهم فالعاقل يختار من العمر أحسنه وإن قل فإنه خير من الحياة النكدة وإن طالت والعقل الموعى غير المنتفع به كالأرض الطيبة الخراب 0

والعاقل لا يبتدىء الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التماري إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت

والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته 0

والعاقل لا يخفى عَلَيْهِ عيب نفسه لأن من خفي عَلَيْهِ عيب نفسه خفيت عَلَيْهِ محاسن غيره وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عَلَيْهِ عيبه لأنه ليس بمقلع عَن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى

عن الحكم ابن عَبْد اللَّه قَالَ: كانت العرب تقول العقل التجارب والحزم سوء الظن

قال أَبُو حاتم لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب

والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الاعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رَضِيَ الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شئ صار إلى النقص .

ورأس العقل المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون

والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج :
الاستغراق في الضحك وكثرة التمني وسوء التثبت،
 لأن العاقل لا يتكلف مالا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد إلا بما يقدر عَلَيْهِ ولا ينفق إلا بقدر مَا يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر مَا عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعه منه .

قال أَبُو حاتم كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال بأن تصرف مساوى أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه حلما والمكر عقلا والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعي صمتا والعقوبة تأديبا والجرأة عزما والجبن تأنيا والإسراف جودا والإمساك تقديرا فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقرا للرؤساء ناصحا للأقران مواتيا للإخوان متحرزا من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب ولا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقه ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى مالا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء

ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يمدح أحدا إلا بما فيه لأن من مدح رجلا بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية .

ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه

وآفة العقل العجب بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام .

ولا يجب للعاقل أن يحب أن يسمى به لأن من عرف بالدهاء حذر ومن عقل العاقل دفن عقله مَا استطاع لأن البذر وإن خفي في الأرض أياما فإنه لا بد ظاهر في أوانه وكذلك العاقل لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده .

وأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل

مجالسة العقلاء ومجانبة الحمقى :

قَالَ شعيب بْن حرب قَالَ لي شعبة عقولنا قليلة فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلا منا ذهب ذلك القليل وإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلا منه فأمقته ،

قال أَبُو حاتم أول خصال الخير للمرء في الدنيا العقل وهو من أفضل مَا وهب اللَّه لعباده فلا يجب أن يدنس نعمة اللَّه بمجالسة من هو بضدها قائم

والعاقل يقيس مَا لم ير من الدنيا بما قد رأى ويضيف مالم يسمع منها إلى مَا قد سمع وما لم يصب منها إلى مَا قد أصاب وما بقي من عمره بما فني وما لم ينل منها بما قد أوتي ولا يتكل على المال وإن كان في تمام الحال لأن المال يحل ويرتحل والعقل يقيم ولا يبرح ولو أن العقل شجرة لكانت من أحسن الشجر كما أن الصبر لو كان ثمرة لكان من أكرم الثمر .

والذي يزداد به العاقل من نماء عقله هو التقرب من أشكاله والتباعد من أضداده .
وقيل : جالسوا الألباء أصدقاء كانوا أو أعداء فإن العقول تلقح العقول.
قال أَبُو حاتم مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين إما تذكر الحالة التي يحتاج العاقل إلى الانتباه لها أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الجاهل الى معرفتها

فقرب العاقل غنم لأشكاله وعبرة لأضداده على الأحوال كلها ولا يجب لمن تسمى به أن يتدلل إلا على من يحتمل دلاله ويقبل إلا على من يحب إقباله ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر والأخر التثبت .
......

2-صفة الأحمق والجاهل :

ترك صحبة الأحمق :

قال ابن حبان : والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق ومجانبة معاشرة النؤلى كما يجب عَلَيْهِ لزوم صحبة العاقل الأريب وعشرة الفطن اللبيب لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله أصابك من الاعتبار به والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته،

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مثل الْعَطَّارِ إِنْ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا يُصِبْكَ مِنْ عِطْرِهِ وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ مِثْلُ الْقَيْنِ إِنْ لَمْ يَحْرِقْ ثَوْبَكَ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ".

قلت: (رواه أبو داود، وأبو يعلى، والحاكم، والضياء)
 عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً.
عَنِ الأِصْمَعِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ بِلالٍ قَالَ كَانَ فتى يعجب على ابن أبي طالب فَرَآهُ يَوْمًا وَهُوَ يُمَاشِي رَجُلا متهما فقال له ... لا تصحب الجاهل ... إياك وَإِيَّاهُ

فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى ... حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ

يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ...إِذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ ...

وللشيء من الشَّيْءِ ... مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ

وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ ...دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ

وقال ابن حبان :والعاقل يجب عَلَيْهِ مجانبة الحمقى فإنهم يجترئون على من عاشرهم، ألا ترى الزط ليسوا هم بأشجع الناس ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة مَا يرونها.

*الزط : قوم طوال القامة ذو بشرة سوداء يقال أن أصلهم من الهند أو السند .
وقيل : احذر الأحمق أن تصحبه
... إنما الأحمق كالثوب الخلق

كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق

 علامات الأحمق :

وقال ابن حبان : من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفى عَلَيْهِ أمره،
 سرعة الجواب ،وترك التثبت، والإفراط في الضحك ،وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار,

والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم، وإن أقبلت عَلَيْهِ اغتر ، وإن حلمت عنه جهل عليك ،وإن جهلت عَلَيْهِ حلم عنك،
 وإن أسأت إليه أحسن إليك ، وإن أحسنت إليه أساء إليك،
 وإذا ظلمته انتصفت منه ،ويظلمك إذا أنصفته ،
وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي :
 لي صديق يرى حقوقي عَلَيْهِ
...نافلات، وحقه كان فرضا

لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا

لرأى مَا صنعت غير كبير ... واشتهى ...واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا

عن سعيد ابن أَبِي أيوب قَالَ : لا تصاحب صاحب السوء فإنه قطعة من النار لا يستقيم وده ولا يفي بعهده.
قال ابن حبان :ومن شيم الأحمق: العجلة والخفة والعجز والفجور والجهل والمقت والوهن والمهابة والتعرض والتحاسد والظلم والخيانة والغفلة والسهو والغي والفحش والفخر والخيلاء والعدوان والبغضاء.

وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه، فإنه يكون قلبه في طرف لسانه، مَا خطر على قلبه نطق به لسانه.

و الأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح ،وأن الحمق قسم على العالم غيره، والأحمق مبغض في الناس مجهول في الدنيا غير مرضى العمل ولا محمود الأمر عند اللَّه وعند الصالحين ،كما أن العاقل محب إلى الناس مسود في الدنيا مرضى العمل عند اللَّه في الآخرة وعند الصالحين في الدنيا.
وقال :وإن من شيم العاقل الحلم والصمت والوقار والسكينة والوفاء والبذل والحكمة والعلم والورع والعدل والقوة والحزم والكياسة والتمييز والسمت والتواضع والعفو والإغضاء والتعفف والإحسان.

السكوت عن الأحمق :

عن الأعمش يقول : السكوت للأحمق جواب .

قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه: وإن من الحمقى من لا يصده عَن سلوكه السكوت عنه ولا يدفعه عَن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه،

فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الأحايين لأن بعض الحلم، إذعان ، كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل،

ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي :
 لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني
...إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج

ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج

وما كنت أرضى الجهل خَدَناً ولا أخاً ... ولكنني أرضى به حين أحرج

فإن قَالَ بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذلّ بالحر أسمج ...

..

3- الحث على لزوم العلم ومكانة العلماء :

 مكانة طالب العلم :
قال ابن حبان : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بن عسال المرادى فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟.
 قُلْتُ: جِئْتُ أَنْبُطُ الْعِلْمَ.
 قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ".
(شرح  : "أنبط " من الاستنْباط وهو الاستخراج)
قال أَبُو حاتم :الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يُثَنّي بطلب العلم والمداومة عَلَيْهِ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك .

قال ابن حبان : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بن عسال المرادى فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟.
 قُلْتُ: جِئْتُ أَنْبُطُ الْعِلْمَ.
 قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ".
(شرح  : "أنبط " من الاستنْباط وهو الاستخراج)
قال أَبُو حاتم :الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يُثَنّي بطلب العلم والمداومة عَلَيْهِ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك .

الحثّ على العِلْم :

تَعَلّمْ فليس المرء يُولد عالِماً ... وليس أَخُو عِلْمٍ كمَنْ هو جاهلُ

وإن كبير القوم لَا عِلْم عنْده ... صغيرٌ إذا التفت عَلَيْهِ المحافلُ

وعن وهيب بن منبه يقول : مَنْ تعلّم عِلْماً في حَقٍ وسُنّة ، لم يذهب اللَّه بعقله أبداً .

 طالب العِلْم والسلاطين :

ولا يجب أن يكون متأملاً في سعيه الدنُوْ من السلاطين أو نَوال الدنيا به فما أقبح بالعالِم التذلل لأهل الدنيا.

عن الفضيل بْن عياض يقول: مَا أقبح بالعالِم يؤتى الى منزله ، فيقال أين العالم ؟ فيقال عند الأمير ،
أين العالم ؟ فيقال عند القاضي ،
مَا للعالم وما للقاضي، وما للعالم وما للأمير، ينبغي للعالِم أن يكون في مسجده يقرأ في مصحفه .

...ما طمعت نفس عابِدٌ فنَوَى ... سؤالَ قومٍ إلا لَهُمْ خَضَعا

يا أيها الناس مَا لعالِمكم ... في بَحْرِ مَاء المُلوك قد كرَعا

يا أيها الناس أنتم زرْع ... يحصده الموت كلما طلعا

صفة طالب العِلْم :

عن الشعبي قال :ياطلاب العلم لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش، اطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة.
قَالَ الشعبي : إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان العقل والنُّسُك ،
فإن كان عاقلا ولم يك ناسكا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا النّسّاك فلم يطلبه ،وإن كان ناسِكا ولم يكن عاقلا قِيلَ هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلم يطلبه،
 قَالَ الشعبي، فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم مَنْ ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك.
(شرح النسك : العبادة والطاعة )

العلم لا يُقصد لذاته :

بل لنفعه ، لأن المبتغي من الأشياء كلها نفعها لا نَفْسُها،  والعلم ونفس العلم شيئان، فمَنْ أغضى عَن نفعه لم ينتفع بنفسه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ،والعلم له أول وآخر .
عن سُفْيَان : يقول أول العلم الإنصات ، ثم الاستماع ، ثم الحفظ، ثم العمل به،  ثم النشر .

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّمًا ، وَلا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلا.

العالِم اذا لم يكن عاملا :

قال أَبُو حاتم: العاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به، لأن من سعى فيه لغير مَا وصفنا ازداد فخرا وتجبّرا، وللعمل تركاً وتضييعا،
 فيكون فساده في المتأسّين به فيه أكثر من فساده في نفسه ويكون مَثَلُه كما قَالَ اللَّه تعالى:
 "وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساء ما يزرون "

وعن الفضيل بْن عياض يقول: في جهنم أرحية تطحن العلماء طحنا، فقيل من هؤلاء ؟ قَالَ، قوم علموا فلم يعملوا .
(شرح : "أرحية" جمع رحا وهي حجر ثقيل يدور يطحن به )
عَن مالك بْن دينار قَالَ: إذا طلب الرجل العِلْم ليعمل به ،سَرّهُ عِلْمُه، وإذا طلب العلم لغير أن يعمل به ،زاده عِلْمُه فخرا.

العالِمُ طبيب الدين :
عَن سُفْيَان الثوري قَالَ :العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين ، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره ؟
عن ابن المبارك  أنه كان ببغداد فرأى إِسْمَاعِيل ابن علية راكبا بغله على باب السلطان ، فأنشأ يقول :
 

عَن سُفْيَان الثوري قَالَ :العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين ، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره ؟
عن ابن المبارك  أنه كان ببغداد فرأى إِسْمَاعِيل ابن علية راكبا بغله على باب السلطان ، فأنشأ يقول :
 
 يا جاعل الدين لَهُ بازياً* ... يصطاد أموال السلاطين

لا تَبِعْ الدين بدنيا كما ... يفعل ضُلّال الرهابين

احْتَلت للدنيا ولذّاتها ... بحيلة تذهب بالدين

وصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين

ففكر الناس جميعا بأن ... زلّ حمار العلْم في الطين

*البازي : الصقر الذي يُصَاد به . الرهابين : جمع راهب

العالِم ينشر العلم :

قال ابن حبّان : والعاقل إذا رُزِقَ من العِلْم الحظّ لا يبخل بالإفادة، لأن أول بركة العلِم الإفادة ،
وما رأيت أحدا قطّ بخِل بالعلم إلا لم ينتفع بعِلْمه، وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض مَا لم ينْبُع ، ولا بالذهب الأحمر مَا لم يُستخرج من معدنه ،

ولا باللؤلؤ النفيس مَا لم يخرج من بحْره ، كذلك لا ينتفع بالعلم ،مَا دام مكنونا لا يُنْشر ولا يُفَاد .



تعليقات